الهجرة نحو أوروبا حلم و شبح يطارد الأطفال
أضحت ظاهرة الهجرة السرية اليوم من أكبر الظواهر الاجتماعية و أعقدها بمنطقة شمال افريقيا و المغرب بشكل خاص ،و كأي ظاهرة اجتماعية أخرى ،تعرف الهجرة السرية صعوبة في التحديد و التدقيق بغية الوقوف على أسبابها و محرضتها ،غير أن هذه الظاهرة اليوم أصبحت شبه موضة يتأثر بها الكثير من الناس على اختلاف بنياتهم العمرية ،حتى الأطفال بدأت موضة الهجرة تسيطر على تفكيرهم و أصبحت حلما يراودهم كلما حلت أوقات معينة تعرف عودة بعض المغاربة المقيمين بالخارج و ما يصحب ذلك من هبوب رياح أروبية تسحر البسطاء من الناس في الأوساط الشعبية خاصة ،و سبب الحديث هذا هو ما عاشته أحد الأسر بمدينة المضيق على اثر اختفاء طفل لها لم يتجاوز سنته العاشرة ،فقد استغل هذا الطفل غياب أفراد الأسرة عن البيت ليفكر و يختار و يقرر في محاولة الهجرة نحو الشطر المقابل من البحر المتوسط ،و عند عودة أفراد الأسرة استشعروا غياب الطفل فانطلقوا في البحث في كل مكان و الاتصال بالسلطات المعنية ،كما تجندت إحدى الجمعيات المدنية بالمدينة و بعض تلاميذ المستوى الثانوي التأهلي بثانوية المضيق و قاموا بتوزيع مكثف و شامل لصور الطفل ،وهذا ما أعطى أكله إذ وصلت للأسرة أنباء عن تواجد الطفل بباب سبته المحتلة ،وعندها أعلمت الأسرة رجال الشرطة اللذين بادروا بالاتصال بشرطة الفنيدق و التي يتواجد الطفل بمنطقة نفوذها ،و التي لم تدخر جهدا في العثور على الطفل و تسليمه لذويه ، و مرت المحنة على هذه الأسرة التي جفا ريقها من كثرة البحث و السؤال عن طفلها ،هذه الحادثة ليست سوى واحدة من حالات أخرى تعيشها مجموعة من الأسر بمنطقة طنجة تطوان بشكل خاص ،و أضحت كثير من هذه الحالات واقعا معاش ،ويكفيك القيام بجولة إلى باب سبته أو ميناء طنجة لترى عددا من الأطفال يترقبون الفرصة للدخول إلى سبة أو الميناء ومنه نحو الضفة الأخرى ،فقد سيطر شبح الهجرة على عقولهم وأخذ مكان أشياء أخرى كان الأولى و الأجدر أن تكون هي المسيطرة على عقول هؤلاء البراعم،و هذا ما يقود إلى طرح سؤال جوهري هو ما الخلفيات المتحكمة في ظاهرة محاولة هجرة الأطفال ؟
هناك بعض الأسباب التي نراها بسيطة لكن وقعها هو أعظم شأنا ،فحسب ما يؤكده الباحث السوسيولوجي عبد اللطيف كدائي ،فالأطفال يتأثرون بما يشاهدونه ،ويكون للمشاهد التي تمر على أعيونهم وقع كبير على نفسيتهم ،و منها ظهور و ترعرع بعض الأفكار التي تحمل ضمنيا تقليدا مباشرا لما رأوه ،و إذا ما قمنا بإسقاط مباشر لهذا على واقعنا نرى أن الكثير من الأطفال يرون في بعض فترات السنة شبانا عائدين من الخارج و أحوالهم تبدلت بعض الشيء لما هو أحسن فيغترون بالمظهر ومنه يكون التأثير الذي سبق ذكره ،لكن و الحالة ه يجب طرح بعض الحلول التي ستحاول الخفيف من نسبة التأثر و لو بشكل بسيط ،ومن بين هذه الحلول هو خلق المظهر المضاد وذلك من خلال إدراج الحديث عن ظاهرة الهجرة السرية ضمن المقررات و البرامج التعليمية ، يبرز عيوبها ويطرح واقع المهاجرين كما هو بعيدا عن التزويق و الترقيع ،وأن يكون ذلك مدعما بصور و نصوص ووثائق أخرى تكسر الصورة النمطية و الكلاسيكية عن أوروبا الجنة كما يتصورها البعض ،ومع ذلك تبقى الظاهرة في حاجة إلى دراسة سوسيولوجية مركزة تضعها على محك علمي واقعي تهدف إلى إيجاد الحلول المناسبة و التي مما لا شك فيه ستكون مجدية رغما ما ستتطلبه من موارد مادية و مجهودات الباحث ، أما أن يترك الوضع كما هو فلا يسعنا سوى انتظار ما هو أسوء وأعقد ،و ربما نأتي لنعالج فنجد أن الوقت قد فات .
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق