ترحيب

.....مرحبا بكل الزوار الأوفياء

09 ماي 2008

قصة قصيرة

منير برقاد

الوداع المطمئن
أرسل الليل أسترة الظلام، وانتشر الصداع والضوضاء في ذاك الزقاق المليء بأناس كثيرون وبدكاكين الخضر والحاجات، وبأفران الخبز العتيقة، خرج " حسان" الشاب النزيه المتواضع، مسرعا إلى الصيدلي في طلب الدواء. ها هو " حسان" واقف أمام الصيدلي يرتجف ارتجافا شديدا، وها هي ومضات الدمع تتلألأ من عينيه، وخفقات القلب تكاد تنفجر من هول الأقدار.
· ما بك أيها الغلام، هل من حادث؟
· مجرد مرض طفيف، أرجوك أعطني الدواء.
· آسف حسبت أن...
لم ينتظر " حسان" طويلا حتى أخذ الدواء من يدي الصيدلي بسرعة كبيرة كسرعة البرق، وهرول جاريا نحو المنزل. وصل إلى عتبات الدرج وأعطى الدواء لأمه الرؤوم عل وعسى أن تنقذ زوجها النحيل من شبح الموت.
عطس الأب لحظات وتناول الدواء، وبدأت سحابة الموت تتشتت شيئا فشيء، وأخذت الأم عباءة وغطته، وصارت تحن عليه بكلمات.
· آه لو تعلمين كم سكرة الموت قاسية، لا أحد يستطيع تجاوزها... قولي لي أين ولدي " حسان"؟
فأجابته قائلة:
· لا شك أنه حزين على وضعك هذا، لا تقلق عليه، إنه في غرفته.
وما هي إلا لحظات حتى تسلل تيار بارد من ثقب نافذة الغرفة المجاورة، وإذا " بحسان" يخرج مسرعا لكي يوصد ذلك الثقب بمعطف ممزق. ولج " حسان" إلى المضجع حيث أباه، وصار يرثيه باكيا بكلمات مؤلمة شديدة:
· لا يمكنك يا أبي أن ترحل عنا، أنت رجل شجاع، طيب النفس، في قلبك نور جليل يمنح الهداية لكل الجيران، في قلبك يا أبي تواضع وحب وأناة، ... يستحيل أن تتركنا وحدين،... أبي أنت نعم الأب في هذه الدنيا ولا يمكنك أن تودعنا بهذه السرعة... من سيمنحنا الطمأنينة والهناء، أتحب أن نعيش أشقياء.
تشوق " حسان" واستمر في حديثه باكيا:
· أتذكر يا أبتاه تلك الأيام، كنت رجل محراث هناك في تضاريس الجبال، فها أنت على شرف الموت تحارب السكرات ولا تعبث بما حولك ولا تبالي بهذا الصداع.
فازداد لهيب الحزن يضطرم في قلب الأب الشريف واسترق النظر في أركان الغرفة وفي ذكريات الماضي البهيج المعلق على الحيطان، ثم عانق إبنه معانقة أخيرة بدموع دامعة وبيدين رعيشتين نحيلة فأحس الأب باقتراب الموت من عروق لبه فصار يردد كلمات متذبذبة أخيرة:
· إعلم يا بني أن الإنسان ضعيف أمام رب العزة، وإعلم أننا نحصد ما نزرعه، وأن الأقدار تتقاضى ثمن الشرور التي نزرعها، أما نحن فندفع ثمن شرورنا وأخطائنا، ولذا يا بني أوصيك بالإحسان إلى أمك الحنونة فهي طمأنينة القلوب، وأوصيك بحسن معاملة الناس، أشفق على الصغير وإحترم الكبير، لا تجادل أحد ولا تحقد أحد، ولا تنتقم من أحد. أوصيك بعبادة ربنا العزيز فالصلاة خير زاد في هذه الدنيا.
ثم رفع يده اليمنى الرعيشة ومسح دموع إبنه " حسان" قائلا:
· سأموت يا بني مطمئن النفس بعدما أديت الجميل والنوال لكل الناس ولرب العباد... يا...
هنا إنتشر صوت الحرف الأخير وساد الصمت، وفارق الأب الحياة، وبكت الأم على الوداع المطمئن ما شاء الله أن تبكي، أما " حسان" فلم يستطع صبرا وتفجر باكيا: " أتمنى يا أبي العزيز أن تجمعنا دار في الجنة يوم الفناء، وداعا،... ثم أخذ غشاءا صوفيا وغطاه.

ليست هناك تعليقات: